محطات في حياته
تلقى تعليمه في الكتّاب، ثم بجامع الزيتونة وله من العمر اثنتا عشرة سنة بعد وفاة والده سنة 1920م غادر الحداد جامع الزيتونة إثر حصوله على شهادة التطويع ليشتغل ماسك دفاتر وكاتبا بالجمعية الخيرية. في عام 1921م التحق بمدرسة الحقوق العليا التونسية وكان مهتما بالنشاط السياسي والنقابي في إطار الحزب الحرّ الدستوري القديم حتّى عام 1930م. بدأ حياته كاتبا في جرائد «الأمة» و«مرشد الأمة» و«أفريقيا» ولم يكن يعرف أن تلك الكتابات ستحول إليه الأنظار وتكون محل نقاش واخذ وعطاء بين زعماء البلاد في تلك اللحظة مما دفع الشيخ عبد العزيز الثعالبي يصطفيه من زمرة قليلة ليكون أحد مؤسسي الحزب الحر الدستوري التونسي (1920) بل كانت كتاباته في الجرائد وسطوع اسمه فيها سببا لتكليفه بالدعاية والإعلام في ذلك الحزب. فكان أحد أبرز الأحرار الدستوريين. هاجر الثعالبي إلى المشرق العربي 1923 وترك فراغا كبيرا في البلاد اشعر الحداد باليتم وبلا جدوى مواصلة المسيرة مع زمرة حادت عن المبادئ الأولى للدستور. جاء محمد علي الحامي بأفكار لا تتسع لها البلاد وأراد أن يقيم الدنيا ويغيّر الطبائع فكان الحداد عضده الأيمن ورأسه المفكر وعينه التي يرى بها الأشياء فأسس معه جامعة عموم العملة التونسية في 1924 ولم يكتب لتلك الحركة أن تعمّر طويلا بل سرعان ما بادرت سلطات الاستعمار إلى حلها في فيفري 1925. لم ييأس الحداد بل واصل النضال وأرخ لتلك الحركة في كتابه الأشهر «العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية» (1927) الذي صادرته سلطات الاستعمار ومنعت تداوله. لم ييأس الحداد بل واصل النضال ورأى أن الإصلاح لا يقوم بغير الصلاح: صلاح الناس والأفكار… فكتب لإصلاح العائلة والمنزل وتحرير المرأة فقامت ضدّه الرجعية الفكرية حيث جرّد من شهائده العلمية ومنع من حق الزواج وممارسة أبسط حقوق المواطنة وطالبوا بإخراجه من الملّة واخرج قسرا من قاعة الامتحانات ومنع من العمل بسبب كتاب وسمه بـ امرأتنا في الشريعة والمجتمع سنة 1930. واصل النضال وكتب كتابا عن إصلاح التعليم الزيتوني تحت عنوان التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة كما صدر له كتاب تضمن أشعاره وآخر تضمّن خواطره، وثلاثتها لم تر النور إلا بعد وفاته وبعد سنوات من الاستقلال. في هذه الفترة -كما ذكرنا- ألف كتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع وبسبب هذا الكتاب حرم الحداد من الحصول على شهادة الحقوق وطرد من قاعة الامتحان بأمر ملكي لما احتواه هذا الكتاب من تجرأ على ثوابت الدين. هاجم العلماء والمشايخ والمفكرون بشدة كتاب حداد وكان على رأس منتقديه الشيخ محمد الصالح بن مراد الذي ألف كتابا للردّ عليه بعنوان: « الحداد على امرأة الحدّاد ». والشيخ عمر البرّي المدني الذي ألف كتابا بعنوان « سيف الحق على من لا يرى الحق »، وتوج هذا الهجوم بفتوى وقعت من لجنة يرأسها العلامة الطاهر بن عاشور وانتهت إلي تكفير الحداد مطالبة السلطة بحجز الكتاب. كما شنت الصحافة التونسية وبعض الصحف المشرقية حملة شرسة ضد الكتاب وصاحبه، كصحيفة الزهرة والوزير والنهضة، ومن بين عناوين مقالات ما نشر فيها « حول زندقة الحداد » و »موقف الصحافة العربية حول نازلة الطاهر الحداد » و »خرافة السفور » و »أين يصل غرور الملحدين ». بسبب هذه الوقفة القوية من علماء تونس وبعد أن نبذه المجتمع وسخط عليه الشعب التونسي، آثر الحداد الانطواء والعزلة على الظهور إلى أن توفي يوم 7 ديسمبر 1935م. توفي الحداد يوم 7 ديسمبر 1935 ولم يسر في جنازته سوى نقر قليل من إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء. بقيت كلماته ترنّ في الآذان وصدى صوته يتردّد داخل الأنفس إلى أن جاء الاستقلال وتحولت كلماته إلى قوانين ملزمة للأفراد والجماعات وأقيمت له الذكريات وأطلق اسمه على الانهج ودور الثقافة والمساحات العمومية وألفت حوله الكتب ونال وشاح الاستحقاق الثقافي. أصرّ صديقه الصحفي الجهير الهادي العبيدي أن يكتب على ضريحه: هذا ضريح شهيد الحق والواجب المصلح الاجتماعي الطاهر الحدّاد. كان وطنيا غيورا لأنه لم يشأ لوطنه أن يرزخ تحت عبودية العادات الفاسدة والأوهام البالية والأفكار الظلامية والآراء الرجعية ومثله سعد زغلول في مصر. انتمى الحداد إلى عديد الجمعيات الثقافية لإيمانه أن للجمعيات الدور الأكبر في النهوض بالأفكار وتكريس النور مكان الظلام فكان نبيّا مجهولا في عصره وأصبح إماما متبعا بعد وفاته. قال عنه عميد الأدب العربي طه حسين بعد الفراغ من قراءة كتابه: لقد سبق هذا الفتى قومه بقرنين
انخرط الحداد في النضال الوطني منذ 1920 أي اثر تأسيس الحزب الحرّ الدستوري للدفاع عن حقوق الشعب التونسي المسلوبة وتميّز بمساهماته في الاجتماعات الحزبية وبتدخّلاته الحماسية ونشر المقالات في الصحف الوطنية. كما دافع عن حقوق الشغالين التونسيين. فساهم مع صديقه محمد علي الحامي في بعث جامعة عموم العملة التونسيين وهي أول نقابة وطنية، في وقت لم يكن فيه للتونسيين الحق في تأسيس نقابات شغيلة. وحرص الحداد اثر النهاية المؤلمة التي عرفتها هذه النقابة ونفي روادها خارج التراب التونسي، على تسجيل تاريخ هذه التجربة النضالية في كتاب صدر له سنة 1927 تحت عنوان »العمال التونسيون وظهور النقابات التونسية«. غير أن الحدّاد قد تميّز خصوصا بنضاله من أجل حقوق المرأة التي ترزح للعقلية الأبويّة والعشائريّة السائدة حينئذ في المجتمع التونسي والتي تعتبر الأنثى أدنى من الذكر وتحدّ بذلك من حقوقها وحرياتها وبالتالي من دورها في المجتمع وذلك على حساب التنمية والتقدم. فكانت المرأة التونسية سجينة الدار والجهل والحجاب، وهي تخضع مع كل ذلك إلى غطرسة الرجل سواء كان أبوها أو أخوها أو زوجها الذين يتصرفون في مصيرها حسب مشيئتهم ودون علمها أو استشارتها. وللدفاع عن حقوقها، قام الحداد، اثر تفرّغه من كتاب »العمال التونسيون« بوضع كتاب حلل فيه الوضع المزري للمرأة التونسية، الذي يعزوه البعض إلى الإسلام بينما الدين الإسلامي، حسب رأيه، بريء من هذه الاتهامات، وقد بيّن في هذا الكتاب الذي صدر سنة 1930 تحت عنوان »امرأتنا في الشريعة والمجتمع« أن الشريعة الإسلامية لا تتنافى مع حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل. وقد برهن الحداد في كتابه هذا عن جرأة فكرية نادرة، ومقدرة على تحليل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والعقليات السائدة عندئذ في المجتمع التونسي، وكذلك عن إيمانه بالحداثة ودعوته للمساهمة الفعلية في الحضارة الحديثة وعدم الاكتفاء بمظاهرها واستهلاك منتوجاتها. مما يستوجب تحرير المرأة من سجونها كي تساهم في مصير بلادها إذ أنها تمثل نصف المجتمع »والنصف الآخر بين أحضانها«.