الاعلام الوطنية والعالمية: الطاهر الحداد




الفهرس




المولد والنشأة


في صباح الرابع من ديسمبر ولد الطاهر الحداد سنة 1899 بتونس العاصمة، وتنحدر أسرته من الجنوب التونسي من منطقة الحامة التابعة لمحافظة قابس. نشأ في وسط متواضع،

التعليم

تلقى تعليمه في الكتّاب، ثم بجامع الزيتونة وله من العمر اثنتا عشرة سنة بعد وفاة والده سنة 1920م غادر الحداد جامع الزيتونة إثر حصوله على شهادة التطويع ليشتغل ماسك دفاتر وكاتبا بالجمعية الخيرية. في عام 1921م التحق بمدرسة الحقوق العليا التونسية وكان مهتما بالنشاط السياسي والنقابي في إطار الحزب الحرّ الدستوري القديم حتّى عام 1930م. بدأ حياته كاتبا في جرائد «الأمة» و«مرشد الأمة» و«أفريقيا» ولم يكن يعرف أن تلك الكتابات ستحول إليه الأنظار وتكون محل نقاش واخذ وعطاء بين زعماء البلاد في تلك اللحظة مما دفع الشيخ عبد العزيز الثعالبي يصطفيه من زمرة قليلة ليكون أحد مؤسسي الحزب الحر الدستوري التونسي (1920) بل كانت كتاباته في الجرائد وسطوع اسمه فيها سببا لتكليفه بالدعاية والإعلام في ذلك الحزب. فكان أحد أبرز الأحرار الدستوريين. هاجر الثعالبي إلى المشرق العربي 1923 وترك فراغا كبيرا في البلاد اشعر الحداد باليتم وبلا جدوى مواصلة المسيرة مع زمرة حادت عن المبادئ الأولى للدستور. جاء محمد علي الحامي بأفكار لا تتسع لها البلاد وأراد أن يقيم الدنيا ويغيّر الطبائع فكان الحداد عضده الأيمن ورأسه المفكر وعينه التي يرى بها الأشياء فأسس معه جامعة عموم العملة التونسية في 1924 ولم يكتب لتلك الحركة أن تعمّر طويلا بل سرعان ما بادرت سلطات الاستعمار إلى حلها في فيفري 1925. لم ييأس الحداد بل واصل النضال وأرخ لتلك الحركة في كتابه الأشهر «العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية» (1927) الذي صادرته سلطات الاستعمار ومنعت تداوله. لم ييأس الحداد بل واصل النضال ورأى أن الإصلاح لا يقوم بغير الصلاح: صلاح الناس والأفكار… فكتب لإصلاح العائلة والمنزل وتحرير المرأة فقامت ضدّه الرجعية الفكرية حيث جرّد من شهائده العلمية ومنع من حق الزواج وممارسة أبسط حقوق المواطنة وطالبوا بإخراجه من الملّة واخرج قسرا من قاعة الامتحانات ومنع من العمل بسبب كتاب وسمه بـ امرأتنا في الشريعة والمجتمع سنة 1930. واصل النضال وكتب كتابا عن إصلاح التعليم الزيتوني تحت عنوان التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة كما صدر له كتاب تضمن أشعاره وآخر تضمّن خواطره، وثلاثتها لم تر النور إلا بعد وفاته وبعد سنوات من الاستقلال. في هذه الفترة -كما ذكرنا- ألف كتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع وبسبب هذا الكتاب حرم الحداد من الحصول على شهادة الحقوق وطرد من قاعة الامتحان بأمر ملكي لما احتواه هذا الكتاب من تجرأ على ثوابت الدين. هاجم العلماء والمشايخ والمفكرون بشدة كتاب حداد وكان على رأس منتقديه الشيخ محمد الصالح بن مراد الذي ألف كتابا للردّ عليه بعنوان: « الحداد على امرأة الحدّاد ». والشيخ عمر البرّي المدني الذي ألف كتابا بعنوان « سيف الحق على من لا يرى الحق »، وتوج هذا الهجوم بفتوى وقعت من لجنة يرأسها العلامة الطاهر بن عاشور وانتهت إلي تكفير الحداد مطالبة السلطة بحجز الكتاب. كما شنت الصحافة التونسية وبعض الصحف المشرقية حملة شرسة ضد الكتاب وصاحبه، كصحيفة الزهرة والوزير والنهضة، ومن بين عناوين مقالات ما نشر فيها « حول زندقة الحداد » و »موقف الصحافة العربية حول نازلة الطاهر الحداد » و »خرافة السفور » و »أين يصل غرور الملحدين ». بسبب هذه الوقفة القوية من علماء تونس وبعد أن نبذه المجتمع وسخط عليه الشعب التونسي، آثر الحداد الانطواء والعزلة على الظهور إلى أن توفي يوم 7 ديسمبر 1935م. توفي الحداد يوم 7 ديسمبر 1935 ولم يسر في جنازته سوى نقر قليل من إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء. بقيت كلماته ترنّ في الآذان وصدى صوته يتردّد داخل الأنفس إلى أن جاء الاستقلال وتحولت كلماته إلى قوانين ملزمة للأفراد والجماعات وأقيمت له الذكريات وأطلق اسمه على الانهج ودور الثقافة والمساحات العمومية وألفت حوله الكتب ونال وشاح الاستحقاق الثقافي. أصرّ صديقه الصحفي الجهير الهادي العبيدي أن يكتب على ضريحه: هذا ضريح شهيد الحق والواجب المصلح الاجتماعي الطاهر الحدّاد. كان وطنيا غيورا لأنه لم يشأ لوطنه أن يرزخ تحت عبودية العادات الفاسدة والأوهام البالية والأفكار الظلامية والآراء الرجعية ومثله سعد زغلول في مصر. انتمى الحداد إلى عديد الجمعيات الثقافية لإيمانه أن للجمعيات الدور الأكبر في النهوض بالأفكار وتكريس النور مكان الظلام فكان نبيّا مجهولا في عصره وأصبح إماما متبعا بعد وفاته. قال عنه عميد الأدب العربي طه حسين بعد الفراغ من قراءة كتابه: لقد سبق هذا الفتى قومه بقرنين

تدخلات حماسيّة

انخرط الحداد في النضال الوطني منذ 1920 أي اثر تأسيس الحزب الحرّ الدستوري للدفاع عن حقوق الشعب التونسي المسلوبة وتميّز بمساهماته في الاجتماعات الحزبية وبتدخّلاته الحماسية ونشر المقالات في الصحف الوطنية. كما دافع عن حقوق الشغالين التونسيين. فساهم مع صديقه محمد علي الحامي في بعث جامعة عموم العملة التونسيين وهي أول نقابة وطنية، في وقت لم يكن فيه للتونسيين الحق في تأسيس نقابات شغيلة. وحرص الحداد اثر النهاية المؤلمة التي عرفتها هذه النقابة ونفي روادها خارج التراب التونسي، على تسجيل تاريخ هذه التجربة النضالية في كتاب صدر له سنة 1927 تحت عنوان »العمال التونسيون وظهور النقابات التونسية«. غير أن الحدّاد قد تميّز خصوصا بنضاله من أجل حقوق المرأة التي ترزح للعقلية الأبويّة والعشائريّة السائدة حينئذ في المجتمع التونسي والتي تعتبر الأنثى أدنى من الذكر وتحدّ بذلك من حقوقها وحرياتها وبالتالي من دورها في المجتمع وذلك على حساب التنمية والتقدم. فكانت المرأة التونسية سجينة الدار والجهل والحجاب، وهي تخضع مع كل ذلك إلى غطرسة الرجل سواء كان أبوها أو أخوها أو زوجها الذين يتصرفون في مصيرها حسب مشيئتهم ودون علمها أو استشارتها. وللدفاع عن حقوقها، قام الحداد، اثر تفرّغه من كتاب »العمال التونسيون« بوضع كتاب حلل فيه الوضع المزري للمرأة التونسية، الذي يعزوه البعض إلى الإسلام بينما الدين الإسلامي، حسب رأيه، بريء من هذه الاتهامات، وقد بيّن في هذا الكتاب الذي صدر سنة 1930 تحت عنوان »امرأتنا في الشريعة والمجتمع« أن الشريعة الإسلامية لا تتنافى مع حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل. وقد برهن الحداد في كتابه هذا عن جرأة فكرية نادرة، ومقدرة على تحليل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والعقليات السائدة عندئذ في المجتمع التونسي، وكذلك عن إيمانه بالحداثة ودعوته للمساهمة الفعلية في الحضارة الحديثة وعدم الاكتفاء بمظاهرها واستهلاك منتوجاتها. مما يستوجب تحرير المرأة من سجونها كي تساهم في مصير بلادها إذ أنها تمثل نصف المجتمع »والنصف الآخر بين أحضانها«.

تكفيره

كفّرته الجهات الرجعية والأصولية ردا على نشر كتابه — امرأتنا في الشريعة والمجتمع– عام 1930، واتهمته بالإلحاد والزندقة وجرَّدته من شهادته العلمية وطالبت بمنعه من حق الزواج وبإخراجه من الملة، وتم منعه من العمل. كما قامت الزيتونة بنشر كتاب يعارضه بعنوان- الحِداد على امرأة الحدّاد- ؛ إضافة لكتاب آخر تم نشره بعنوان –سيف الحق على من لا يرى الحق–
تمسك الحداد بموقفه وآرائه وواصل نضاله، رغم عزلته، فكتب كتابا عن- إصلاح التعليم الزيتوني- وكتابين آخرين ضمنهما أشعاره وخواطره التي لم تر النور إلا بعد وفاته، وبعد استقلال تونس بسنوات.
وفاته
مات الحداد في ريعان شبابه يوم 7 -أيلول سنة 1935. لكن الشعب التونسي ونخبته وسلطته كانوا أوفياء لهذا الطليعي الذي ضحى من أجلهم ومن أجل نهضتهم، فقاموا بتكريمه على أكثر من صعيد، كان أهمها تضمين مجلة الأحوال الشخصية، التي صدرت عام 1956، الكثير من أفكار واقتراحات الطاهر الحداد.

أفكاره

كان من جملة ما دعا إليه الحداد في كتابه: الدعوة لتحرر المرأة المسلمة مما زعم أنها قيود تكبلها داخل مجتمعاتها، والمطالبة بالطلاق المدني وألا يكون من حق الرجل فقط الذي قد يسيء استخدامه ولكن يرجع فيه إلى القضاء، كما عبر عن رفضه لتعدد الزوجات معتبرا أنه سنة سيئة ورثت من أيام الجاهلية، ودعا إلى ممارسة المرأة الألعاب الرياضية وأن تقبل على هذه الألعاب وأن تسعى لمجاراة أختها الأوربية في تقوم به.
انتهت هذه الأفكار إلى القانون الوضعي التونسي في مجلة الأحوال الشخصية الصادرة في1957 حيث:
أقر بأهلية المرأة لتزويج نفسها مما يستحيل معه عضلها عن الزواج أو تزويجها دون رضاها.
منع تعدد الزوجات إذعانا للشرط الإلاهي بوجوب العدل واحتراما للجزم الإلاهي باستحالته وسعيا لضمان استقرار الأسرة التونسية.
أقر الطلاق القضائي حتى لا تطلق يد الرجل في التطليق مع إقرار إجراءات مصالحة قضائية وآجال تفكير وذلك في ثلاث حالات:
التراضي بين الطرفين
الضرر الواقع على أحدهما
طلب احدهما التطليق من القاضي، وفي هذه الحالة على طالب التطليق دفع غرامة للطرف الثاني
كما أنتهت إلى القوانين المؤطرة للمنظومة التربوية التي أقرت المساواة بين الجنسين في التمتع بحق التعليم المجاني والإجباري منذ سنة 1958، وانتهت إلى القانون الانتخابي الذي أقر حق المرأة في أن تكون ناخبة ومنتخبة منذ السنوات الأولى للاستقلال، وانتهت إلى قانون الشغل والوظيفة العمومية الذين لا يقران أي تمييز في الاجور أو الامتيازات بين المراة والرجل بل ويقران عديد الامتيازات للمرأة الأم.
أما « نزع الحجاب » فلم يرد به أي نص رسمي تونسي حتى سنة 1981، إنما كانت الإرادة السياسية واضحة في نبذ كل ما يشير إلى اعتبار المرأة موضوعاجنسيا أو كائنا بيتيا لا ذاتا مساوية للرجل في الحقوق والواجبات، حرة في خياراتهادون الوقوع تحت ثقل التقاليد. أما سنة 1981، فإن ما صدر هو منشور وزاري يمنع ارتداء « الزي الطائفي » داخل الإدارات العمومية فحسب، والمناشير ليست قوانين تصدرها السلطة التشريعية بل هي نصوص تهم السير الداخلي للإدارات وتأتي في اسفل مرتبة القواعد القانونية المطبقة في القانون التونسي بعد الدستور والمعاهدات الدولية والقوانين والأوامر الرئاسية والقرارات الوزارية. وقد صدرت أحكام قضائية عن المحكمة الإدارية التونسية تعتبر أن غطاء الرأس ليس في حد ذاته زيا طائفيا.
لقد كان الطاهر حداد رائدا لتحرر المرأة التونسية وكأنها نسخة كربونية مما جرى في مصر من خلال كتابي « قاسم أمين » ، « تحرير المرأة »، و »المرأة الجديدة » – حتى إن المرء ليعجب من هذا التماثل – تصدر شخص يدعى « الطاهر حداد » وأصدر كتاباً بعنوان » » امرأتنا في الشريعة والمجتمع  » 1933
كانت أولى القرارات التي اتخذها –الحبيب بورقيبة- بعد أن تولى زمام الأمور في البلاد عقب خروج الاحتلال الفرنسي ، قراره بضرورة نزع الحجاب عن المرأة التونسية معتبرا أنه معوق لقيم التطور والتنمية والحداثة.
نزل بورقيبة إلى الشارع بعد الاستقلال ونزع بيديه الحجاب عن المرأة التونسية.. وسن قانونا (المنشور 102 و 108) يمنع ارتداء الحجاب ويعتبره زيا طائفيا يشجع على الانقسام داخل المجتمع.. ووفر كل السبل وسهل كل الطرق المؤدية إلى اختلاط الشباب بالفتيات كما حرم تعدد الزوجات وأحل التبني -وحرم زواج الرجل من مطلقته التي طلقها ثلاثا بعد طلاقها من زوج غيره.
وفي سبيل التمكين لقراراته أصدر في عام 1956 وبعد ثلاثة شهور من إعلان الاستقلال مجلة الأحوال الشخصية التي تضمنت أغلب هذه القرارات التي إعادت افكار الطاهر حداد الى الحيوية والتطبيق العملى.


امرأتنا في الشريعة والمجتمع

كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع

تحميل المضمون